"لو لم تكن الجماعة موجودة لأنغلق القلب على ذاته ومات." (جان فانية)
أحبب وأفعل ما تشاء
كنت أراهم دائماً في الكنيسة، في الشارع وحتى في السوبرماركت، لكنني لم أكن أعرفهم أو أعرف عنهم شيئاً، لكنني وككثير من الأشخاص لم أكن أجرؤ على التعامل معهم أو التقرب منهم، وقد كان أخي الأكبر يعمل كمدرس في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة (كما يسمونهم)، وكنت استغرب جداً من قدرته على التعامل معهم ومن باله الطويل في ذلك المجال. وكنت أقول له دائماً أنني لا أقبل العمل في تلك المدرسة ولو دفعوا لي بالساعة لقاء اهتمامي بهم 1000$.
وللأسف الشديد في وقت من الأوقات كنت أظن أنه إذا رزقني الله في يوم من الأيام بولد غير مكتمل النمو العقلي سأضع حداً لحياته وهو في أول نموه الجسدي (جنيناً صغيراً طبعاً) خوفاً عليه وعلى عائلتي من الألم والعذاب...
لكني وبعد مدة تعرفت إلى جماعة إيمان ونور (Foi et Lumière) عن طريق صديقة لي دعتني يومها إلى لقاء العيد حيث تجتمع الفرق الأربع في إقليم واحد. وبعد ذلك اللقاء دخلت في جماعة البسمة (مار تقلا) وصرت أنا وصديقاتي الثلاث نذهب سوياً إلى الاجتماع، ومن بعدها تعرفت إلى الأخوة وجهاً لوجه وقد كان لقائي الأول مع فتاة صغيرة تبلغ الخمس سنوات وذلك في مسرحية كانت الجماعة قد دعيت إليها هي والأخوة. حاولت التقرب منها، لكنها كان تهرب مني ولم تكن تعرني اهتماماً، فبقيت أحاول كل الوقت، وللحظة أحسست أنني طفلة صغيرة ولعبت معها بالكرة وضحكت واياها وأكلنا الأطايب وحضرنا المسرحية وقد كانت انطونيلا تركز بصرها وسمعها ومشاعرها مع موسيقى المسرحية فأراها ترقص وتصفق وتغني مع الممثلين وفي آخر المسرحية أصبحت أنا وأنطونيلا من أعز الأصحاب.
أصبحت عضوة في الجماعة، وكنت أذهب كل سبت وكل لقاء عيد مع الإخوة وأتعرف عليهم أكثر حتى أنني ذهبت معهم في المخيم الصيفي وتقربت منهم كثيراً وكنت الفتاة المستجدة لكنني مع هذا وكله كنت أرى صديقاتي وأعضاء الجماعة كيف يتصرفون.
فمع الأخوة عليك أن تنسى همومك وحتى لو لم تستطع فهم سيساعدونك على النسيان. لا يطلبون منك الوقت الكثير ولا يطلبون الاهتمام، فأكثرهم يستطيع الاهتمام بنفسه. كل ما يطلبونه منك هو أن تبادلهم الحب وصدقوني فهم يشعرون بكم حين تكونون متضايقين وحزينين أكثر بكثير من غيرهم من الأشخاص. ويحترمون كثيراً علاقة الصداقة بينهم وبين مرافقهم الشخصي ففي الجماعة لكل أخ مرافق ليكون مسؤولاً عنه.
وفي أحيانٍ كثيرة كنت أعرف أشخاصاً يكون الأخ مرافقاً لهم ويهتم بهم كأنه هو المسؤول عنه. وأتذكر أن إحدى الأخوات أعطتها مرافقتها خاتماً عليه صورة العذراء هدية فوقعت منها الصورة فبدأت تبحث عنها ولم تنم طوال الليل حتى وجدتها وكان تمسك بها كل الوقت كأنها جوهرة غالية لتصلحها فتعود وتلبس الخاتم في أصبعها، وكانت تسأل عنها دائماً حين تكون غائبة وتقول لي أين هي وسلمي لي عليها كثيراً، وإذا رأتها حزينة تحاول أن تبهجها وتضحكها فقط لترى الضحكة على وجهها فتحس هي أيضاً بالسعادة.
"ذوو الاحتياجات الخاصة" أو "المجروحون بذكائهم" هذا هو اسمهم أو هذا هو لقبهم. لكني أفضل أن أسميهم اسماً آخر فهم ذوو القلوب الكبيرة والمشاعر الفياضة الحقيقية والمحبة الصادقة دون ريب أو زيف أو مظاهر...فهم يحبونك لنفسك وليس لمظهرك ويبتغون منك بسمة صغيرة أو كلمة حلوة أو تشجيع يشعرهم أنهم ليسوا مختلفين عنك كثيراً.
بعد سنة تقريباً من دخولي الجماعة أحسست أن الله أنعم عليّ بوزنة مهمة كنت قد دفنتها في التراب ولم استعملها. وبعدما رأيت الكثير من الاخوة في بيوتهم ومع عائلاتهم أحسست أن هذا الأخ ليس عقاب الله على ما فعله والداه بل أنه قد ولد كذلك حتى تظهر فيه أعمال الله ومحبته ورحمته، فمن خلال شهادات الكثيرين علمت وتيقنت أن وجود الأخ يجمع العائلة كلها حوله، للصلاة و الشكر ولتقدير نعم الله الكثيرة عليها. وكنت أسمع من كثيرين أن هذا الأخ هو هدية تلك العائلة وفرحها وطريقها للسلام فما أجمل أن نستيقظ كل يوم ونحن نقول الحمدلله على كل شيء. (وتأكدت أنني ولو رزقت بيوم من الأيام بطفل غير مكتمل النمو العقلي أو الجسدي فسأعتبره أجمل هدية من الخالق وأشكره عليها واحبه واحترمه وافتخر به أمام كل الناس.
دخلت الجماعة وكأشخاص كثيرين كنت أظن أنني سأهب الكثير من وقتي الضائع ومحبتي ومعرفتي ومساعدتي للاخوة، وخرجت منها وأنا أشعر أنهم أهدوني أكثر مما استحقه وأنهم لم يكونوا بحاجة إلي بل أنا التي كنت ذات الاحتياجات الخاصة التي حصلت عليها منهم ومن محبتهم ومن تقبلهم لي كشخص، وأحسست معهم كم أنا صغيرة وكم ينقصني الشكر والحمد ليسوع المسيح الذي انعم عليّ بالكثير وأنا غافلة عنه تماماً، ووعدت نفسي أنني لن أعود إلى تلك الجماعة أو أي جماعة أخرى إذا لم أكن دقيقة الالتزام معهم ليس فقط بالوقت ولكن أيضاً بالمحبة والاهتمام والاخلاص.
ماري برشا
خلقت لأعترض
في 9 تموز 2009



التعليقات
شكراااااااااا الك اختي ماري
شكراااااااااا الك اختي ماري شهاده الحياااااااااااااااه بتعقد ....الله يقويكي ياااااااااااااااااااااااارب بمحبه المسيح
......نانسي
أضف تعليقاً جديداً