"لو لم تكن الجماعة موجودة لأنغلق القلب على ذاته ومات." (جان فانية)
رسالة جان فانييه - تروللي - يونيو/حزيران 20/6/2001
خلال الستة أشهر الماضية كان لي الحظ للقاء العديد من أعضاء الجماعات وذلك من خلال زيارات أو رياضات، خاصة في الهند، أمريكا، غرب كندا، فرنسا، نرويج. شهدت الحنان، الحنان في العلاقات بين الأعضاء ضمن الجماعات. الحنان يمكن أن يميز حياتنا في الآرش وأيمان ونور. هذه الأماكن هي مدارس للحنان. الحنان الذي يعني رغبة عميقة لتجنب جرح الآخر أو الحاق الأذى بالشخص الضعيف. الحنان هو تواضع، هو الحضور، هو الإصغاء لما يقوله الآخر، والأكثر من ذلك الإصغاء لما يحاول جسده أن يقوله. بالنسبة للأشخاص الضعفاء والفقراء، غالباً ما يعبرون من خلال أجسادهم، إيماءاتهم، صراخهم، عيونهم، الحنان واللطف يعنيان اللمس، لمس الآخر باحترام وصدق، اللمس الذي يساعد الشخص ليعرف أنه محبوب ومهم، اللمس الذي يعطي الأمان والدعم، إنه يختلف عن لمسة التملك الذي تهدف إلى تصغير وتحقير الآخر ومنعه من النمو نحو الحرية. الحنان هو عكس العدوانية بالكلمة أو بالإيماءة، الحنان يعني قوة داخلية التي تجعلنا نحب الآخر بصدق، الحنان لا يعني" أن أكون جيد " والتي ممكن أن تكون طريقة لتخبئة مخاوفنا من الصعوبات، بل تعني أن أكون صادقاً وحقيقياً بكل شيء، الحنان يعلمنا أن نكون حقيقيين.
في ترولي عام 1978 استقبلنا فرانسوا في احد بيوت الآرش la forstiere. فرانسوا عمرها الآن 70 عاماً هي عمياء، لا تستطيع الكلام وهي مستلقية في الفراش منذ سنوات غير واعية تماماً لما يجري حولها. في كل مرة أزور هذا البيت أندهش لطريقة مرافقة المساعدين لها في كل حاجاتها اليومية، لطفهم، عنايتهم، الطريقة التي يتكلمون فيها
معها، إطعامها، تغذيتها. إن ما أراه حول فرانسوا أراه حول كل شخص في بيوت الآرش.
منذ عدة أسابيع ومع أحد بيوت الآرش عشنا فترة وفاة "تيديه" وكان عنده إعاقة شديدة. إنه فعلاً أستاذ في الحنان، حضوره يوقظ في داخلنا الحنان وهكذا يجعلنا نتصل معه، لغته وبدون أية كلمة كانت لغة حنان. هذا لا يعني أنه في بعض الأحيان لم يكن لديه لغة أخرى، لغة الخوف، العنف، القلق والتي يخبىء وراءها العطش للحنان. تيديه وأخوه لويك كانوا منذ بدايات إيمان ونور.
في عام 1965، "كامل وجيرار" أحضروا ولديهم "لويك وتيديه" للورد، لكن لورد لم تستقبلهم، الفنادق رفضت استقبالهم بسبب إعاقة ولديهم، فقط فندق واحد استقبلهم بشرط ان يأكلوا في غرفهم. "كامل وجيرار" شاركوا ألمهم مع ماري ايلين ماتيو وهي تكلمت معي حول وضعهم. وهكذا وبسبب ألم تيديه ولويك وجيرار وكامل وبعض الأهل تم تحضير الحج الدولي للورد عام 1971 ضم الأشخاص المعاقين وأهلهم وأصدقائهم، ومن ذلك الحج ولدت إيمان ونور.
في عيد الفصح هذا احتفلنا بالعيد الثلاثين لإيمان ونور، وهذا هو الحج الرابع في لورد. كان هناك 16500 حاج من 73 دولة منهم 6000 شخص عندهم إعاقة. كان ذلك تجمع هائل واحتفال "الضعف" للأشخاص الذين اختبروا ألم كبير وللأشخاص الذين يريدون أن يشاركوا الحياة معهم. لقد كان حج الحنان، والذي يظهر حنان ورحمة الله علينا. كان الحج أيضاً احتفالاً بالوحدة بين الآرش وإيمان ونور، "الآن سان ماكاري" كان منسق الحج ومعه فريق من الآرش، حوالي 1100 حاجاً من الآرش شاركوا في الحج لقد كان ذلك علامة للوحدة والتي نحن مدعوين دائماً لتعميقها وتنميتها.
مقابل هذا العالم، عالم الحنان يوجد عالم العنف، حيث الناس ترفض استقبال الآخرين، حيث هناك حاجة لاحترام الآخرين.
حديثاً قرأت كتاب "Sorrow Mountain" ("جبل الحزن") كتبته راهبة بوذية، إذ كانت مسجونة من قبل الجيش الصيني في "التبت" لمدة 21 سنة وحررت بعد موت ماوتسيتونغ. تصف في كتابها كيف تعذبت، حيث علقت من معصميها ووضعت في سجن إفرادي لمدة ثمانية أشهر، وفي عتمة السجن كانت تعرف الليل من النهار من صوت العصافير. لم يستطيع الجيش الصيني أن يقتل روح الحقيقة أو حبها للناس وحبها لدينها وتقاليدها. قاومت وهي في أكثر لحظاتها ضعفاً. في السجن لم تتخلى أو تتململ من السجود على الأرض مئات المرات أمام رحمة الله .. قصة هذه الراهبة "آني باشم" والتي فرت إلى"نيبال" ثم إلى الهند لتنضم إلى"دالاي لاما" دفعتني لاحترامها بعمق. هي واحدة من هؤلاء الممتلئين إيماناً، حياتاً، تصميماً، هي واحدة من هؤلاء الذين لا يسمحون لقوة الشيطان أن تنال منهم، ولا أن تسيطر عليهم الرغبة في الراحة.
أنا دائماً أتأثر بالأشخاص الذين يصمدون أمام اليأس، الأشخاص الذين لا يستسلمون. كما أنني أتأثر عندما أقابل أشخاص مسؤولين خاصة منهم من يبقون منفتحين ودائماً يجدون الوقت للإصغاء للضعفاء، للأشخاص المختلفين. كم من السهل أن نسحق الضعيف والمختلف عنا بوسائلنا الدفاعية.
أتأثر أيضاً بالأشخاص الذين يؤمنون بحياتنا في الآرش وإيمان ونور بالرغم من كل العقبات والصعوبات. جماعاتنا هشة جداً بسبب قلة الأصدقاء، هشة أيضاً بسبب مواقفنا التي تظهر نقص بالاحترام، باللطف، بالحنان تجاه بعضنا البعض في الجماعة خاصةً بين الأصدقاء، بين القديم والجديد، أو مع المسؤولين، مع الأهل والجيران. ممكن أن نسحق واحدنا الآخر بحجة أننا نريد وبحاجة لإنجاز العمل، وبسرعة ننسى حاجاتنا لنكون لطيفين ومستقبلين ومحترمين واحدنا الآخر.
وكم سريعاً، وبإسم الفعالية والإنتاجية، نسحق الضعيف. أنا أرى في نفسي كيف أحاول أن أحمي نفسي، اغلق نفسي أمام الذين يزعجونني وخاصةً عندما أكون تعباً. ضعفهم يظهر قلقي. كيف نستطيع أن نبقى منفتحين لحنان ومحبة الله ولكل شخص ولكل الجماعة ؟ أشعر بحاجتي للشفاء، أحتاج لاستقبال قوة الله والتي كانت واضحة في حياة الراهبة.
الحنان يجعلني أكثر لطفاً وانفتاحاً على الآخرين، لا أحكم على أحد بحجة محاولة المساعدة للنمو. الحنان يجعلني أؤمن أنني والآخرين ممكن أن ننمو ونتغير بالرغم من كل المظاهر الخارجية وأن إبن الله الموجود في كل منا ممكن أن يكبر. أحتاج لأكتشف أكثر وأكثر وفي كل يوم الحنان الحقيقي والذي يعطي للحياة معنىً، أحتاج لأثق أكثر بقوة روح الله فيَّ، أدعو الروح القدس باستمرار، طالباً أن يتغير قلبي من حجر إلى لحم ودم. لن تنمو جماعاتنا وتتعمق ما لم ينمو كل واحد فينا بالحنان واللطف الذي يهبنا الله إياه.
أبقى قريب لكل واحد منكم
جان فانييه
تروللي، يونيو - حزيران 20/6/2001
| المرفق | الحجم |
|---|---|
| Letter_Jean-Vanier_Trosly_Jun_2001.ar.doc | 43 كيلوبايت |



التعليقات
أضف تعليقاً جديداً